نعوت القرآن الكريم د. عبد الله بن وكيل الشيخ الحلقة (9) فرقان الْفُرْقَانَ على وزان فُعلان، مِن (فَرَقَ)، وهو أصل يدور على التمييز بين الشيئين، والفصل بينهما، كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29]، يعني: يَجعل لكم فَصْلًا وفَرْقًا بين الحقّ والباطل لما تورثه التقوى لكم من المعرفة الحقّة التي تثمر التمييز بين المتشابهات، وقوله: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} [المرسلات: 4]، قيل بأنّها الملائكة التي تُفَرِّق بين الحقِّ والباطل، وقيل: هي آيات القرآن، ولا تخالف بين المعنيين على أنّ الملائكة تَنْزِل بالفَرْق، وهو الوحي الذي يفرق ويفصل ما بين الحلال والحرام. وقد أُطْلِق اسم (الفرقان) على جملةٍ مِن المسمّيات يجمع بينها معنى الفصل بين المتمايزين؛ ومِن ذلك: (القرآن)؛ كما في قوله تعالى: {تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ}؛ وذلك لِفَصْلِه بحُجَجِه وأدلّته، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني حكمه بين الحقّ والباطل. و(يوم بدر)، كما في قوله تعالى: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]؛ لأنّ الله فرّق به بين الحقّ والباطل. والصُّبح؛ لأنّ به يُفرَق بين الليلوالنّهار.([1]) أمّا نعْت القرآن الكريم بـ: (الفرقان)؛ فقد جاء في مواضع من كتاب ربنا عزَّ وجلّ: مِن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]. وقوله في سورة آل عمران: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 3، 4]، قال قَتَادَة: “هُوَ الْقُرْآنُ؛ أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ؛ فَأَحَلَّ فِيهِ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ فِيهِ حَرَامَهُ، وَشَرَّعَ فِيهِ شَرَائِعَهُ، وَحَّدَ فِيهِ حُدُودَهُ، وَفَرَضَ فِيهِ فَرَائِضَهُ، وَبَيَّنَ فِيهِ بَيَانَهُ، وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ، وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ“.([2]) كما جاء في مطلع سورة الفرقان المكيّة، مقرونًا بتبريك الله تعالى -يعني تمجيده وتقديسه وتعظيمه-، في قوله سبحانه: {تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً}، وموضوع هذه السورة الكريمة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتطمينه وهدهدة قلبه لِما يلاقيه مِن بواطيل المشركين وادّعاءاتهم وضلالاتهم، فجاءت هذه السورة الكريمة فرقانًا تفرق بينهم وما يزعمون من بواطيل، وبين نبينا صلى الله عليه وسلم كما يُفرَق بين الليل والنهار، وكما يفرق بين البحرين المتغايرين في الملوحة والعذوبة. وفي افتتاح هذه السورة العظيمة بهذا الافتتاح: {تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ}؛ تفخيم مِن شأن هذا الفرقان، وتعظيم لقدره، وتبجيل لموقعه؛ وهو حقيق بذلك؛ إذْ به يتميَّز الحقّ مِن الباطل، والهدى مِن الضلال، والرشد مِن الغيّ، والصواب مِن الخطأ، والصلاح من الفساد، والاستقامة من الانحراف. ونَتَّخِذُ مِن هذه السورة الكريمة (سورة الفرقان) أنموذجًا؛ لنعدِّد مِن خلالها بعضَ صور فَرْقِ القرآن الكريم بين الحقّ والباطل والهدى والضلال؛ فمِن ذلك: ما جاء في مطلعها مِن التمييز بين مقام العبودية ومقام الرسالة؛ فإنّ الرسولَ ما هو إلّا بشر مخلوقٌ عبدٌ لله أرسله الله لتبليغ كلمة الله وتعبيد الناس لله وحده، ولم يتّخذه الله ولدًا كما زعمت النصارى؛ وتجد هذه المعاني مكنوزة في قوله تعالى في مفتتح هذه السورة الكريمة: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 1، 2]. ثم تلا ذلك التفريق بين الإله الحقّ والآلهة المدَّعاة؛ فإنّ الإله الحقّ سبحانه هو الخالق الحقيقيّ، وهو الموجِد الحقيقيّ، بينما ما يزعمونه آلهةً مِن حجرٍ أو بشرٍ إنّما هم مربوبون مخلوقون: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3]. ثم تلا ذلك فَرْقُه سبحانه بين فرية المشركين بأنّ هذا القرآن اخترعه محمّد صلى الله عليه وسلم مِن عند نفسه، والفصل في ذلك بأنّ هذا القرآن إنما أنزله الله بعلمه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 4 – 6]. ثمّ فَرْقُه سبحانه بين مزاعم المشركين في هيئة الرسول، وتصوُّرهم أنّه خارج عن نمط البشر، وأنّه لا يكون إلّا ملكًا رسولًا، ثم نقَض هذه المزاعم في آيات بَيَّنَت ضلالهم، وكشفت عن فساد قولهم، وأنّه لم يصدروا في ذلك إلّا عن تكذيبٍ وليس عن عدم إمكان أو استحالة أنْ يكون الرسول بشرًا مِن جنسهم، كما بيَّنت خطورة ومآل مزاعمهم تلك، ثم بعد هذا النقض تلو النقض بيَّنت الحقيقة ساطعة بأنَّ سُنَّة الله في إرسال الرُّسل أنْ يكونوا كذلك بشرًا: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا * بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * ….} [الفرقان: 7 – 11] إلى أنْ قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20]. ثم تلا ذلك فَرْقُ القرآن الكريم بين مشاغبة المشركين في تنزُّل القرآن الكريم، وقولهم: {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}، وقوله سبحانه مُبيِّنًا فسادَ قولهم، وحكمةَ تنزُّله مُنَجَّمًا: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32]. ثم قال سبحانه قولًا عظيمًا وهو (عنوان الفرقان)بين أقاويل أهل الشرك والضلال، وبين قول الحقّ سبحانه والهدى الذي اشتمل عليه كلامه الذي يقع به الفرقان والفصل بين كل مقول وحديث، فقال: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]، يعني: “وَلَا يَأْتِيكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ يَضْرِبُونَهُ إِلَّا جِئْنَاكَ مِنَ الْحَقِّ بِمَا نُبْطِلُ بِهِ مَا جَاءُوا بِهِ، وَأَحْسَنَ مِنْهُ تَفْسِيرًا”.([3]) ثم ذكر سبحانه صورة بديعةً تمثِّل واقعًا للصورتين المتمايزتين بين الحقّ والباطل، والفرقان الذي يفرق ويحجز بينهما، فقال: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} يعني: خلّاهما مُتجَاوِرَين متلاصِقَين، وهو بقدرته يفصل بينهما، ويمنعهما التمازج([4]) {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 53]؛ فكلٌّ مِن البحرين يفيض بما فيه مِن عذوبة أو ملوحة، كما تفيض حُجَج الحقّ والباطل، ولكن يبقى البحر العذب عذبًا ويبقى المالح مالحًا، كما أنّ الحقّ يكون حقًّا أبدًا والباطل يكون باطلًا أبدًا، لا يمتزجان؛ لأنّ الله قد أرصد لهما فرقانًا وحاجزًا كما أرصد بين الماءَين حِجْرًا وبرزخًا. وهذه أحوال الحقّ والباطل مِن حيث هما، أمّا حال المتلبّس بأحدهما؛ فإنّه قد ينتقل إلى أحد النقيضين بما يظهر له مِن حُجج، أو يظلّ مستقرًّا في أحدهما، كما يكون مِن بعض أصحاب الباطل الذين يستمرون أسرى لأهوائهم، وغرقى لفساد عقولهم، وقد يبزغ نجم الفرقان لبعضهم، فينخلع مِن خلعة الباطل، ويفيض على قلبه ثوبًا آخَر مِن الحقّ يجلّله. ثُمَّ فَرَقَ سبحانه بين عباد الله المطيعين له، وبين غيرهم مِن الجاهلين به سبحانه، في آياتٍ فصَّلت في صفات عباد الرحمن التي عرى منها الجاهلون بالله، الضالُّون عن سبيله؛ فكانت هذ الآيات فُرقانًا بين هؤلاء وهؤلاء: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 63 – 76]. والقرآن الكريم يزرع في نفس العبد المسلم مَلَكة الفرقان بين الحق والباطل، وذلك ببسط الحُجَج التي تقع بين أهل الحق وأهل الباطل، وما ينطق به كل طرف؛ ليتأمَّل العبد في تلك الحُجَج، ويرى كيف يبزغ نجم الفرقان والفصل بين الحقائق شيئًا فشيئًا؛ ومِن ذلك: في أمور التوحيد؛ قول الحقّ سبحانه مُحاجًّا المشركين في أمور الوحدانيّة؛ مُفَنِّدًا فساد شركهم، ومُقَرِّرًا سبحانه تفرُّده بالخَلق، واستحقاقه للإفراد بالعبادة: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا} [فاطر: 40]. ومن ذلك تلك المحاجّة بين إبراهيم وقومه التي قصّها الله تبارك وتعالى علينا في كتابه، ومنها قوله سبحانه: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 58 – 67]. وقول سحرة فرعون بعد أنْ وقع الإيمان مِن نفوسهم، وعدم اكتراثهم بتهديد فرعون ووعيده: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 72 – 76]؛ إنّها فيوض الإيمان، التي تعقب بزوغ الفرقان، وتجذُّره في قلوب المؤمنين. ومِن ذلك سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) التي تَفْرِقُ بين الدِّين الحقّ والدِّين الباطل: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}. وفي أمور الأحكام والتفريق بين ما أحلّ الله وما حرّمه، وما يضادّ ذلك وينازعه مِن الفلسفات والآراء والأفكار؛ يقول جلّ شأنه: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في قولكم ودعواكم، ومن المعلوم أنهم لا يمكنهم أن يقولوا قولا سائغا في العقل، إلا واحدا من هذه الأمور الثلاثة. وهم لا يقولون بشيء منها. إنما يقولون: إن بعض الأنعام التي يصطلحون عليها اصطلاحات من عند أنفسهم، حرام على الإناث دون الذكور، أو محرمة في وقت من الأوقات، أو نحو ذلك من الأقوال، التي يعلم علما لا شك فيه أن مصدرها من الجهل المركب، والعقول المختلة المنحرفة، والآراء الفاسدة، وأن الله، ما أنزل – بما قالوه – من سلطان، ولا لهم عليه حجة ولا برهان. ثم ذكر في الإبل والبقر مثل ذلك، فلمّا بيَّن بطلانَ قولهم وفساده، قال لهم قولا لا حيلة لهم في الخروج من تبعته، إلّا في اتباع شرع الله: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} أي: لم يبق عليكم إلا دعوى، لا سبيل لكم إلى صدقها وصحتها. وهي أن تقولوا: إن الله وصَّانا بذلك، وأوحى إلينا كما أوحى إلى رسله، بل أوحى إلينا وحيا مخالفا لما دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب، وهذا افتراء لا يجهله أحد، ولهذا قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: مع كذبه وافترائه على الله، قصده بذلك إضلال عباد الله عن سبيل الله، بغير بينة منه ولا برهان، ولا عقل ولا نقْل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الذين لا إرادة لهم في غير الظلم والجور، والافتراء على الله. ثمّ لما ذكر تعالى ذَمّ المشركين على ما حرّموا من الحلال ونسبوه إلى الله، وأبطل قولهم؛ أمرَ تعالى رسولَه أنْ يبيِّن للنّاس ما حرّمه الله عليهم؛ ليعلموا أنّ ما عدا ذلك حلال، مَنْ نسب تحريمه إلى الله فهو كاذب مبطل؛ لأن التحريم لا يكون إلّا من عند الله على لسان رسوله، وقد قال لرسوله: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 142 – 145].([5]) وفي أمور الأخلاق؛ يَفْرِق سبحانه بين الطُّهر والرذيلة، ويُسَمِّي الرذيلة باسمها المُنْبِئ عن قُبحِها وشناعتها (فاحشة)، وذلك في قوله: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} [الأعراف: 28، 29]، دون تجميلها بمسمَّيات أو مصطلحات تُخَفِّف مِن شناعتها، أو تُزيّنها في عيون طُلّابها، كما يفعل المروّجون لهذه الرذائل والشناعات، ثم ينتقل الحقّ تبارك وتعالى لمقام آخَر، وهو مقام نقض الاحتجاج والتأصيل لفِعْل هذه الفاحشة بالعِلل الواهية، والحُجَج الباطلة؛ فيكشف سبحانه زيفَ هذه الحُجج وتدليسها، ويأتي على بنيانها مِن القواعد، فيقول عزَّ مِن قائل: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ}، ثم ينتقل سبحانه لمقام العلاج والتربية والتوجيه والإرشاد، بقوله: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 28، 29]. فهذا هو القرآن، وهذا هو الفُرقان، وتلك مُجادلته، وتربيته على تجاذب الحُجج التي تصنع الفرقان، وتُنَمِّيه في نفس العبد المؤمن شيئًا شيئًا، حتى يملأ عليه قلبه، فينطق به عند النوازل والحوادث.. هذا هو، فأين الفُرقانيُّون، وأين القرآنيوُّن الحقيقيُّون؛ الذين يستقبلون القرآن بقلوبهم، ويُقبلون عليه بعقولهم؛ فينهلون منه نهل العطشى، ويعبّون منه عبّ الظمأى؛ فيرتوون مِن معينه الصافي الذي يفيض على قلوبهم وعقولهم، ويفصلون به بين الحقّ والباطل، ويفرقون بضيائه بين نور الصباح وظلمة الليل، ونور الحق، وظلمة الباطل؟! وإذا كان القرآن الكريم هو المعين الصافي، والمنهل المورود للتربية على التقوى، والأرض الخصبة لتنمية بذرة الفرقان في القلب؛ فإنَّما يتحصّل ذلك بملازمته، والعَيْش معه، والإكثار مِن تلاوته، والاستقامة على سننه، والغوص في معانيه، وتدبُّر آياته. وهذا الفُرقان مِنّة جليلة، ونعمةٌ عظيمة؛ مَن سعى إليها بشروطها، وتوصَّل إليها بمطلوبها، حصّلها بإذْن العليّ القادر سبحانه القائل في كتابه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29]، أي: نورًا في قلوبكم تُفَرِّقون به بين المشتبهات. فلم يَرُدَّ جَعْل الفرقان إلى الذّكاء المحض، أو المجهود المكثَّف، وإنّما ردَّه إلى معيار التقوى، وهذه التقوى لا تكون إلّا بعلم ما يُتَّقى، فظهر أنّ الفرقان قسيم للعلم والتقوى، وأنّه جانب مِنه هداية إلى التقوى، وجانب آخَر اكتساب لثمراتها التي منها وقوع الفرقان في القلب، قال الجُنَيْد في معنى هذه الآية الكريمة: “إِذَا اتَّقَى اللَّهَ جَعَلَ لَهُ تِبْيَانًا يُبَيِّنُ بِهِ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ هَذَا، وَهَذَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهُ إِذَا اتَّقَى”، قِيلَ لَهُ: أَفَلَيْسَ التَّقْوَى فُرْقَانًا؟ قَالَ: بَلَى؛ الْأَوَّلُ هِدَايَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالثَّانِي اكْتِسَابٌ؛ فَإِذَا اتَّقَى اللَّهَ اكْتَسَبَ بِتَقْوَاهُ مَعْرِفَةَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَمْرِ الْمُشْكِلِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَذَا مِنْ هَذَا“.([6]) وبهذا يمكن أنْ يقال: إنّ التفرقةَ بين الحقِّ والباطل وما بينهما مِن مراتب دقّت أو جلّت، إنما تحصل بمقدار ما في قلب العبد من الإيمان والتقوى؛ فكلّما ازداد إيمان العبد وقويت التقوى في قلبه؛ كلّما شَفَّت نفسُه، وأنارت روحه، وأشرق قلبه، وانفتح عقله، وانكشف له مِن الحقائق والغوامض أو المضطربات ما لم ينكشف لغيره ممّن ليس على منزلته.([7]) وإذا حار النّاس وفزعوا إلى أقوال الفلاسفة والمصلحين التي قد تتخالف فيما بينها؛ فإنّ العبد المؤمنَ التقيّ القُرآنيّ الذي زيَّنه القرآنُ بزينة الفُرقان؛ فَشَعَّ في قلبِه، وَنَوَّر به عقلُه؛ يُمِرُّ آيَ القرآن على قلبه، فيُصَوِّر المشكلة، ويُكَيِّف موضوعها، ويردّها إلى أصلها؛ ليستخرج الحكمَ الذي تعلوه سِيْمَا الصواب، بينما الناس يتخبّطون ويضطربون في أفكارهم المتخالفة. ولعلّ من أسباب ذلك أن التقوى تورث العبد عزيمة في معرفة الحق، والكشف عنه في مظانّه، وذلك من أعظم أسباب التحصيل. والتقوى تزيح عن كاهل العبد داعية الهوى الذي يعشي الأبصار، ويقلب الحقائق، وقد يتجاوز ذلك إلى مراتب التزييف بقلب الحقائق أوهامًا، والأوهام حقائق، فإذا أكثر العبد البحث عن الحق، وبذل الوسع في التحصيل، وتحلَّى بالتقوى؛ كشف اللهُ له مِن العلم ما لم ينكشف لغيره. وأمّا مجرد التعبُّد والوقوف في محراب التنسُّك، دون بذل جهد في طلب البراهين، فلا يحصل به تمام الفرقان، وخاصّة في المشكلات؛ ولم يزل الناس مِن زمن النبي صلى الله عليه وسلم منهم العابد ومنهم العالم ومنهم مَن يجمع الله له بين الأمرين فيفتح له في العلم فتحًا مباركًا. جعلنا الله وإياكم من أهل التقوى والعلم ورزقنا النور والفرقان إنه على كل شيء قدير وصلّ اللهم على نبينا محمد على آله وصحبه وسلّم *** ([1]) انظر فيما تقدّم: معاني القرآن للفرّاء (3/222)، تفسير الطبري (1/95، 5/182، 11/127، 200، 23/ 588)، مقاييس اللغة (4/493 – 494). ([2]) تفسير الطبري (5/ 183). وفي الآية وجه ثان رواه الطبري في تفسيره عن محمد بن جعفر بن الزبير، قال في قوله تعالى: {وأنزل الفرقان}: “أَيِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَابُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ”، قال الطبري: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ إِخْبَارَ اللَّهِ عَنْ تَنْزِيلِهِ الْقُرْآنَ قَبْلَ إِخْبَارِهِ عَنْ تَنْزِيلِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَدْ مَضَى بِقَوْلِهِ: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ ِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران: 3] وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ هُوَ الْقِرَانُ لَا غَيْرُهُ، فَلَا وَجْهَ لِتَكْرِيرِهِ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَكْرِيرِهِ، لَيْسَتْ فِي ذِكْرِهِ إِيَّاهُ وَخَبَرِهِ عَنْهُ ابْتِدَاءً. ([3]) تفسير الطبري (17/447). ([4]) الكشاف (3/287). ([5]) تفسير السعدي (ص277). ([6]) رواه البيهقي في الزهد (907). ([7]) راجع: مجموع الفتاوى (7/649).نعوت القرآن الكريم - 9 - فرقان - د. عبد الله بن وكيل الشيخ
Post Top Ad
Your Ad Spot
mardi 9 octobre 2018
Home
Unlabelled
نعوت القرآن الكريم - 9 - فرقان - د. عبد الله بن وكيل الشيخ
نعوت القرآن الكريم - 9 - فرقان - د. عبد الله بن وكيل الشيخ
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Post Top Ad
Your Ad Spot
ياسين بن عبدة
ياسين بن عبدة
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire