منتدى اسلامى موضوعات دينية القرآن الكريم السنة النبوية سيرة الرسول قصص الصحابة اخلاقيات سلوكيات المسلم

test

مقالات

Post Top Ad

Your Ad Spot

mercredi 10 octobre 2018

نعوت القرآن الكريم - 10 - بصائر - د. عبد الله بن وكيل الشيخ


نعوت القرآن الكريم د. عبد الله بن وكيل الشيخ الحلقة (10) بصائر جعل الله عزّت قدرته في القلب قوّة تنفذ إلى المعاني وتُدرك بها الحقائق، كما جعل في العين مِن القوّة ما تدرك بها ما حولها مِن المحسوسات، وهذه القوّة في القلب والعين ما يقع التعبير عنه بالبصر، وهي مادّة تدور على الوضوح في عامّة تصريفاتها؛ فتقول: تبصَّرَ في الأمر، أي: تأمَّلَ فيه وتعرَّفَ عليه حتى يُدركَ خفاياه. والتبصير: التعريف والإيضاح، ومِن ذلك: فلانٌ يُبَصِّر فلانًا، أي يدلّه على وجه الصواب في أمرٍ ما حينما يكشف له الوجوه الخفيّة المتعلِّقة بذلك الأمر. والتبصُّر؛ كما يكون بالبصيرة القلبيّة، يكون كذلك بالعين الباصرة: ومِن الأوّل، قوله تعالى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً} [ق: 7، 8]، يعني: “علامةً ودلالةً لكل مَن أناب إلينا، ورجع مِن شهود أفعالنا إلى رؤية صفاتنا، ومِن شهود صفاتنا إلى شهود حقِّنا”.([1]) ومِن الثّاني، قول امرؤ القيس: تَبَصَّرْ خَلِيلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائنٍ وعلى ذلك؛ فالبصر بصران؛ بصر العين، وبصر القلب الذي أهم آلاته وجنوده العين التي تنقل له صور المحسوسات ليترجمها إلى معانٍ قلبيّة معنويّة، فيتهيَّأ للعين الباصرة أنْ تُدرِك حقائق الأشياء على ما هي عليه بقوّة البصيرة القلبيّة. ولمّا كان بصر العين المحسوس لا تتحقّق ثمرته إلّا بنظر القلب الحيّ، استحقّ مَن فَقَدَ نظر القلب أنْ ينفَى عنه نظر العين مع وجودها؛ إذْ عدم الانتفاع منها يحيل وجودها عدمًا، ومِن ذلك قول الحقّ تبارك وتعالى في المشركين الذين أنكروا الحُجَج بعد ظهورها، والأدلة بعد وضوحها: {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 179]، وقوله: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198]، وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} [يونس: 43]؛ فتحقَّق مِن ذلك أنَّ عقْل الحُجج المثمر لمعاني الإيمان والهداية، مداره على إبصار القلوب دون إبصار العيون. ويُطلَق البصر على العِلم، كما في قوله تعالى: {بَصُرْتُ بما لم يَبْصُروا به}، أَي: علمتُ مَا لم تعلمُوا، مِن البَصيرة، ولو أراد بصر العين لقال: “أبصَرتُ“.([2]) أمّا مفردة (بصائر)، فواحدتها بصيرة، وهي الدلالة التي تُوجِبُ البصرَ بالشَّيء والعِلم به، والبصيرة نورُ القلب الذي به يَستبصرُ، كما أنَّ البصرَ نورُ العينِ الذي به تُبصِر. والاستبصار في الشيء، يعني: تفحُّصه والتأمُّل فيه؛ لإدراك دلالاته والدوران مع غاياته. وتأتي البصائر بمعنى الحُجَج والبراهين والبيِّنات؛ ومن ذلك قوله سبحانه: {بَلِ الإنسانُ على نَفْسِهِ بَصيرَةٌ}، يعني: حُجَّة، وقوله: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ} وهي البيّنات والحُجَج التي اشتمل عليها القرآن وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم([3]) {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104]، وعن ابْنِ زَيْدٍ: “الْبَصَائِرُ: الْهُدَى؛ بَصَائِرُ فِي قُلُوبِهِمْ لِدِينِهِمْ، وَلَيْسَتْ بِبَصَائِرِ الرُّءُوسِ، وَقَرَأَ قولَه تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، قَالَ: “إِنَّمَا الدِّينُ بَصَرُهُ وَسَمْعُهُ فِي هَذَا الْقَلْبِ“.([4]) وتفسير البصائر بالهدى لا يتخالف مع تفسيرها بالحجج والبراهين والبينات؛ لأنّ البصائر بما تحمله مِن حُجَج وبراهين تهدي صاحبها إلى طريق الحقّ والخير. كما تطلق البصائر على العِبْرَة؛ يُقَال: أما لَك بصيرةٌ فِي هَذَا؟ أَي: عِبْرةٌ تعْتَبر بها، وأنشد: “فِي الذّاهِبِيـن الأوّليـنَ من القُرون لنا بصائــرْ” أَي: عِبَر.([5]) والمحصِّلة؛ أنّ البصيرة قوّة قلبيّة تُدرِك النفس بها الحقائق على ما هي عليه، دون تمويه أو تخييل أو تحريف، بل بها يُرَى الحقّ حقًّا، والباطل باطلًا، كأنّ المعاني تتداعى بين ناظريها فتفرزها فرزا، فتميّز بين جيّدها ورديئها، وصحيحها وفاسدها، وغثّها وثمينها. وفي تصديق هذا المعنى قوله تعالى في الحديث القدْسيّ: “وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ …” الحديث.([6]) فقد أكرمه الله كِفَاء ما تقرَّب به إليه مِن العبادة أنْ حباه نورًا في سمعه وقلبه يتمّ بهما التمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال. ولقد نعت الله تعالى كتاب موسى عليه السلام بكونه بصائر، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43]، كما نعتَ سبحانه خاتمَ الكتب السّماويّة – القرآن الكريم – بهذا النعت المبارك في مواضع مِن كتابه الكريم: الموضع الأوّل: في قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُمِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام: 104]. والتعبير بالمجيء؛ تفخيمًا لشأن هذه البصائر، وتعظيمًا لأمرها؛ إذْ كأنها بمنزلة الغائب الذي يُتوقَّع حضوره ومجيئه، كما يقال: جاءت العافية([7])؛ ولبيان تحقُّق مجيئها، ووصولها إليهم، فلا حُجّة بعد ذلك لمن كفَرَ أو وكذّب بها بعد بلوغها ومجيئها. والموضع الثاني: قوله: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 203]، يقول: هَذَا الْقُرْآنُ وَالْوَحْي الَّذِي أَتْلُوَهُ عَلَيْكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ، يَقُولُ: حُجَجٌ عَلَيْكُمْ، وَبَيَانٌ لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.([8]) والموضع الثالث: قوله: {هَذَا} يعني: الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ{بَصَائِرُ لِلنَّاسِ}، يُبْصِرُونَ بِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَيَعْرِفُونَ بِهِ سَبِيلَ الرَّشَادِ {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20].([9]) وفي الموضعين الأخيرين سؤال عربي معروف: وهو أنّ المبتدأ الذي هو قوله: {هذا} اسم إشارة إلى مذكَّر مفرد، والخبر الذي هو {بصائر} جمع مُكسَّر مؤنّث، فيقال: كيف يسند الجمع المؤنّث المكسَّر إلى المفرد المذكَّر؟ والجواب: أنَّ مجموع القرآن كتاب واحد، تصحّ الإشارة إليه بهذا، وهذا الكتاب الواحد يشتمل على براهين كثيرة، فصح إسناد البصائر إليه لاشتماله عليها كما لا يخفى.([10]) وهذه المواضع الثلاثة جاءت في سياق القرآن المكِّي (في سور: الأنعام، الأعراف، الجاثية) الذي مِن خصائصه أنّه خُوطِبَ به النّاسَ كافّة، وأُلْقِيَت حُجَجه وبراهينه عليهم جميعًا؛ مُفَتِّحَةً بصائِرَهم، ومُنَوِّرةً عُقولَهم، ومُضِيئةً قلوبهم؛ لينتبهوا مِن غفلتهم، ويستيقظوا مِن رَقْدَتِهم، وينتفعوا به في إصلاح نفوسهم وأخلاقهم وعقائدهم، ويَرشدوا به في دروبهم ومسيرهم، ويسعدوا به في دنياهم وأخراهم، وتحقيق آمالهم، وإشباع أرواحهم، وتسكين مواضع الاضطراب والحيرة مِن نفوسهم. أمّا الخطاب المدني، فإنّه مُوجَّه أصالةً إلى مجتمع المؤمنين الذين استقرّ الإيمان في نفوسهم، ثم استشرفوا منازل التشريع؛ ليعرجوا بها إلى منازل العمل، وبلوغ درجات الثواب والأجر مِن الله الكريم. فتحصّل مِن ذلك أنّ البصائر القرآنية؛ هي تلك الحُجج الساطعة، والبراهين الواضحة، التي تنفذ في حُجُب الباطل فتبدِّدها، وتتخلّل سُحُب الضلال فتفرّقها؛ لترسم الصورة الحقّة في قلب العبد المؤمن، بعد إزالة آثار الزيف والأوهام، والأكاذيب والمفتريات؛ ليُرى الحقّ حقا، والباطل باطلا، دون حجاب. وقد جاء التعبير عن هذه البصائر بصيغة الجمع دون المفرد؛ للإشارة إلى كثرتها وتنوّعها، والدلالة إلى جلالة قدرها، وعظيم موقعها؛ فهي بصائر متتابعة، البصيرة تلو البصيرة التي تتساند فيما بينها لرفع الغشاوة عن القلوب، وتصحيح مسارات العقول. وثمرة هذا النعْت المبارَك أنّ القلب لا يزال مُبصِرًا ما زال مغمورًا بنور الوحي، فإذا فَقَد هذا النور، فإنّه يعمى، ويرتكس لجهالته الأولى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]؛ فإنّ القلب قبل اشتماله بنور الوحي، متلفِّع بظلمته وجهالته، حتّى إذا أشرق عليه نور الوحي، وخالطته بشاشتُه، تبدّدت مظاهر الجهالة، وحلّت مكانها أنوار الوحي والرسالة. والقرآن الكريم هو كتاب البصائر، وهو بصائر في نفسه، ومؤدٍّ إلى البصيرة الحقّة؛ فحريّ بالعبد أنْ يتبصَّر به إذا اختلطت عليه الصور، أو تكاثفت عليه سحب المشتبهات، أو تكاثرت على قلبه المختلفات. ولا يتحصّل للعبد ذلك إلا بالمداومة على معايشة كتاب الله، ومفاتشته، وتدبّره، والإدمان على تلاوته، والعمل به، والدعوة إليه، واستحضاره في المواقف والنوازل. اللهمّ اجعلنا مِن الراشدين أصحاب البصائر النيّرة، والقلوب المطمئنّة، اللهمّ بصّرنا مِن الضلالة، وأنقذنا مِن الجهالة، واجعلنا هداة مهتدين، وصلّ على عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم *** ([1]) لطائف الإشارات (3/449). وفي تفسير البحر المحيط (9/531)، معنى تبصرة: “يَتَبَصَّرُ بذلك ويتذكَّر”. ([2]) انظر: تهذيب اللغة (12/123). ([3]) تفسير ابن كثير (3/312). ([4]) تفسير الطبري (9/470). ([5]) تهذيب اللغة (12/125). وانظر: مقاييس اللغة (1/253- 254)، الصحاح (2/591)، أساس البلاغة (1/62)، شمس العلوم للحميري (1/545)، المفردات (ص127 – 128). ([6]) رواه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ([7]) انظر البحر المحيط (4/253)، تفسير القرطبي (7/57). ([8]) تفسير الطبري (10/657) ([9]) تفسير الطبري (21/86). ([10]) أضواء البيان (7/202). نعوت القرآن الكريم - 10 - بصائر - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????